آخر الاخبار

shadow

خرق الأجواء العراقية هل يُشكّل انتهاكاً لسيادة الدولة؟

القاضي سالم روضان الموسوي

 

قبل أيام دخل الى العراق عدد من كبار المسؤولين الأجانب ومنهم رئيس الولايات المتحدة الأميركية (دونالد ترامب) والآخر رئيس الوزراء الاسترالي و لم يكن دخولهم ضمن الإطار الدبلوماسي وإنما زيارات لقوات بلدانهم العاملة في العراق بموجب اتفاقيات أبرمها العراق مع عدد من الدول والتي تسمى بالتحالف الدولي للقضاء على الإرهاب فضلاً عن الاتفاقية الأمنية المبرمة بين العراق والولايات المتحدة الأميركية في عام 2008 وهذه الأمور أحدثت لغطاً في الإعلام وان كان بشكل متفاوت حيث ركز الإعلام على زيارة ترامب وغض الطرف عن زيارة رئيس الوزراء الاسترالي لأسباب عدة منها الحساسية الشعبية تجاه الإدارة الأميركية من قضايا الأمة العربية المركزية والآثار السلبية التي خلفها الاحتلال الأميركي للعراق والتي ما زالت عقابيله قائمة لغاية الآن،

وكان الاعتراض الشديد على تلك الزيارة بأنها تمثل انتهاكاً للسيادة العراقية لأن الرئيس الأميركي دخل العراق خلسة ودون إذن أو تأشيرة أو موافقة من السلطات العراقية وإن طائرته كانت ترافقها طائرات حربية ودون علم القيادة العراقية وتوالت ردود الأفعال التي لم تتجاوز الإعلام بل توقفت عند حدود التوظيف السياسي لمنافع حزبية أو فئوية، كما إن الجهات الرسمية المكلفة بمثل هذه الأمور لم يصدر عنها أي تصريح رسمي أو إجراء دبلوماسي باستثناء تصريح ينسب إلى مكتب رئيس الوزراء العراقي (الدكتور عادل عبدالمهدي) بان موضوع دخول الرئيس الاميركي لا علاقة له بموضوع السيادة وإنه علم بتلك الزيارة وهذا التصريح من مكتب الرئيس التنفيذي المشرف على السياسة العامة للبلد على وفق حكم المادة (78) من الدستور العراقي لعام 2005 التي جاء فيها الآتي (رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة، والقائد العام للقوات المسلحة، يقوم بإدارة مجلس الوزراء، ويترأس اجتماعاته، وله الحق بإقالة الوزراء، بموافقة مجلس النواب) فضلاً عن الاختصاص الحصري لمجلس الوزراء المتعلق برسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي وعلى وفق حكم المادة (110) من الدستور التي جاء فيها الآتي (رسم السياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي، التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وسياسات الاقتراض والتوقيع عليها وإبرامها، ورسم السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية السيادية( وهذا التصريح الإعلامي المنسوب إلى مكتب السيد رئيس الوزراء يكون محل اعتبار باعتباره صادر من جهة رسمية مخولة بالتصريح باسم السيد رئيس الوزراء، لذلك أرى بأنه يعد بياناً رسمياً لابد من الوقوف أمامه ومقارنته مع الأحكام القانونية النافذة ومنها القانون الدستوري والقانون الدولي لأن في أدبيات هذين الفرعين من فروع القانون العام (الدستوري والدولي ) توجد نظريات فقهية وأراء لفقهاء القانون على خلاف ما ذكره مكتب السيد رئيس الوزراء حيث تربط جميع الدراسات والنظريات الفقهية في القانون العام بين خرق حدود إقليم الدولة المكون من ( الأرض والبحر والجو) وبين سيادة الدولة ولتوضيح الأمر سأعرض له على وفق الآتي :
1. إن مفهوم السيادة تطور طردياً مع تقدم الحضارة ودخول التكنولوجيا الحديثة لذلك فان التعريف الذي يقره المختصون في القانون الدستوري أو القانون الدولي بان السيادة (بأنها سلطة دائمة ومستمرة تبقى قائمة ولا ترتبط بأشخاص الحكام الذين يمارسون السلطة بشكل مؤقت) وصاحب هذه السلطة هو الشعب ومصدرها القانون على وفق ما أقره دستور العراق لعام 2005 في المادة (5) التي جاء فيها الآتي (السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها، يمارسها بالاقتراع السري العام المباشر وعبر مؤسساته الدستورية( ، وهذا وباختصار يقودنا إلى أن أي شخص مهما كان مركزه الوظيفي أو السياسي لا يملك صلاحية التنازل عن سيادة العراق إطلاقاً، إلا بتفويض الشعب صاحب تلك السلطة أو بما يسمح به الدستور الذي كان معبراً عن الإرادة الشعبية .
2. أما عن المدى الجغرافي الذي تمارس عليه السيادة فان معظم نظريات القانون الدستوري وفقها القانون الدولي ومن المختصين في النظم السياسية يشيرون إلى أن السيادة تكون على إقليم الدولة وكما أسلفت فان إقليم الدولة يتكون من (الأرض والبحر والجو) ويرى فقهاء القانون الدولي بان سلطة الدولة تكون عند خط الحدود الفاصل بينها وبين الدول الأخرى أو الحدود الدولية التي تقرها الاتفاقيات الدولية مثل أعالي البحار وغيرها، ويرى هؤلاء الفقهاء بأن الحدود تعد بمثابة الخطوط التي تحدد المدى الذي تستطيع الدولة ممارسة سيادتها فيه، إذ عندها تبدأ سيادة الدولة صاحبة الإقليم وتنتهي سيادة غيرها ووراءها تنتهي سيادتها وتبدأ سيادة غيرها من الدول، والإقليم الجوي يعد من ضمن إقليم الدولة ويعرف الإقليم الجوي بأنه الحد الذي يعلو الإقليم الأرضي ويشتمل على طبقة الغلاف الجوي ويمتد لمسافات غير محددة ويرتبط ذلك بقدرة كل دولة على حماية هذه الحدود وتنظيم المرور بما يحقق أمنها وسلامة أراضيها، إلا إن ذلك لا يحول دون السماح إلى دول أو جهات أخرى لاستخدام مجالها الجوي على أساس المقابلة بالمثل بما يقتضيه التعاون في مجالات الطيران المدني والاستخدامات الجوية عموماً حيث نصت اتفاقية باريس لعام 1919 على السيادة الكاملة للدولة على إقليمها الجوي الذي يعلو إقليمها الأرضي ومياهها الإقليمية مثلما شارت إلى ذلك اتفاقية شيكاغو لعام 1944 للطيران المدني الدولي ،
3. ومن خلال العرض نرى إن أي دخول لطائرات مدنية أو عسكرية أو أسلحة عبر الأجواء العراقية يعد انتهاكاً للإقليم الجوي العراقي ويشكل خرق للسيادة العراقية، إلا إذا تمً ذلك بموجب السياقات الدبلوماسية المعتمدة بين الدول أو بموجب الاتفاقيات الدولية التي أشرت إلى بعضها في ما تقدم ذكره.
4. إن زيارة الرئيس الأميركي لم تكن لزيارة العراق وإنما لزيارة القوات الأميركية المتواجدة في العراق فان ذلك لابد وأن يكون بموافقة الحكومة العراقية وعلى وفق السياقات الدبلوماسية أما عن بعض التسريبات التي وصلت إلى الإعلام بان السيد رئيس الوزراء أو بعض أفراد الحكومة تم إعلامهم بهذه الزيارة قبل فترة قصيرة فان ذلك لا يمنع من وصف الفعل الذي قام به الرئيس الأميركي بأنه انتهاك وخرق للسيادة الأميركية لأن العلم غير قبول الزيارة والإذن بها ، ولا يجب أن يفترض الإذن له بمجرد إشعار الحكومة العراقية أو شخص رئيس الوزراء، لأن العلم يحصل أحياناً دون أن يكون هناك قبول أو دون أن ينتظر الرد العراقي، بل إن الزعم الذي تسرب إلى الإعلام بان السيد رئيس الوزراء قد علم بذلك وقبل فترة قصيرة، فهذا لا يُعد قبولاً رسمياً للزيارة، وإنما خرقاً للسيادة لأن من مظاهر السيادة وكما أسلفت هو سلطة الدولة على إقليمها بما فيه الجوي، أما عن البعض الذي تعلل بوجود الاتفاقية الأمنية الموقعة بين العراق والولايات المتحدة الأميركية فان هذه الاتفاقية لم تمنح الولايات المتحدة الأميركية أي حق في اختراق سيادة الدولة بل على العكس إنها نصت وبشكل واضح على إن العراق من الناحية القانونية الدولية بأنه كامل السيادة ولا يخضع للانتداب أو الوصاية او التبعية القانونية أو من الدول المحمية وهذا ما أكده الدستور العراقي لعام 2005 في المادة (1) التي جاء فيها الآتي (جمهورية العراق دولةٌ اتحاديةٌ واحدةٌ مستقلةٌ ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوريٌ نيابيٌ "برلماني" ديمقراطيٌ، وهذا الدستور ضامنٌ لوحدة العراق) فضلاً عن قرارات مجلس الأمن الدولي ومنها القرار 1500 في 8/يونيو- حزيران/2004 الذي جاء في مضمونه إعادة كامل السيادة الى العراق وهذا القرار صدر بالإجماع، كما أن مجلس الأمن قد أكد استقلال العراق وامتلاكه السيادة الكاملة في قرارات أخرى منها القرار رقم 1557 في 12/أغسطس- آب / 2004 والقرار 1619 في 11/أغسطس- آب/2005 و القرار 1700/أغسطس- آب/2006 ، وهذه القرارات قد سجلت مرحلة جديدة في العلاقة بين العراق والمجتمع الدولي لأنه كان ناقص السيادة خلال الفترة التي تلت أحداث دخول القوات العراقية إلى الكويت عام 1990 وبموجب قرارات عديدة أصدرها مجلس الأمن لا مجال لذكرها الآن، وهذا من الناحية القانونية فقط وليس من الناحية الواقعية
5. وعند العودة إلى الاتفاقية الأمنية العراقية الأميركية التي تم التوقيع عليها عام 2008 فإنها من الناحية القانونية وبموجب شروطها وأحكامها لا تمس السيادة العراقية بل أكدت على استقلال العراق وسيادته على أرضه وإقليمه وإنه كامل السيادة والدليل على ذلك عدم وجود نص صريح يشير إلى اعتبار تلك الاتفاقية من قبيل الحماية الاختيارية لأن بعض البلدان تجنح إلى الاتفاق مع بعض البلدان لحماية أمنها الخارجي وحدودها مثل إمارة موناكو واتفاقها مع فرنسا، بل على العكس جاء في الاتفاقية الأمنية الآتي (ان جمهورية العراق والولايات المتحدة الأميركية إذ يقران أهمية تعزيز أمنهما المشترك والمساهمة في السلم والاستقرار الدوليين ومحاربة الإرهاب في العراق والتعاون في مجالات الأمن والدفاع لردع العدوان والتهديدات الموجهة ضد سيادة وأمن ووحدة أراضي العراق، و يؤكدان على إن مثل هذا التعاون مبني على أساس الاحترام الكامل لسيادة كل منهما وفق أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة)
6. إن هذه الاتفاقية لم تمنح للولايات المتحدة أي صلاحية لدخول الأجواء العراقية سواء للاستخدام الحربي أو المدني بدون إذن السلطات العراقية ، وهذا كما أسلفت من الناحية القانونية النظرية الصرفة لأن الواقع يشير إلى وجود خرق للسيادة العراقية في أكثر من موضع وبكثير من الشواهد ومنها زيارة رئيس الولايات المتحدة الأميركية الأخيرة وكذلك رئيس وزراء استراليا مما دعا بعض الأكاديميين إلى وصف السيادة العراقية بأنها (سيادة هشة) لأنها نظرياً تملك مقومات السيادة الكاملة، بينما الواقع إن تلك السيادة تخترق من خلال وجود الشركات الأمنية وعدم قدرة القضاء العراقي على محاكمة أعضاء القوات الأميركية العاملة في العراق عن جرائمهم التي ترتكب على أرض العراق والتي تقع خارج القواعد المتفق عليها فضلاً عن الخرق الأخير الذي قام به الرئيس الأميركي في أواخر عام 2018 ،
خلاصة القول بان دخول أي أجنبي أو أي طائرة أجنبية إلى أجواء العراق الإقليمية دون إذن من السلطات العراقية هو خرق للسيادة، وعلى الجهات الدبلوماسية الممثلة بوزارة الخارجية العراقية أن تتخذ السبل اللازمة لتدارك ذلك الأمر وهذا يؤكد على إن السيادة لها علاقة وثيقة بخرق الأجواء العراقية ولا يمكن فصلها عن بعضها لأن من سمات السيادة هو سلطة الدولة على إقليمها الجوي والبحري والبري ، ونأمل من كل المسؤولين القائمين على شؤون البلاد بحكم موقعهم الدستوري والوظيفي أن يستشيروا أهل الاختصاص قبل إطلاق التصريح في وسائل الإعلام لأن العيون تترقب والمسامع تتنصت وتحسب كل شاردة و ورادة لما يدلي به المسؤول لأنه مسؤول عن أداء واجبه بالصورة الصحيحة وكذلك مسؤول أمام الشعب صاحب السلطة التي منحت له بحكم الآليات الدستورية.

احكام وقرارات المحكمة الاتحادية العليا مترجمة الى اللغة الانكليزية

shadow

مواضيع ذات صلة